محمد متولي الشعراوي

1632

تفسير الشعراوى

فقال لها إبراهيم عليه السّلام : إنه توجيه من اللّه ، لذلك قالت : « لقد اطمأننت ، واللّه لا يضيعنا أبدا » . لم تقلق هاجر لأن إبراهيم اتجه إلى ما أمره اللّه ، وهذا هو الإيمان في قمته ، ولو لم يكن الإيمان على هذه الدرجة الرفيعة فأي قلب لأم تترك أب الطفل يذهب بعيدا عنها وتعيش مع ابنها في هذا المكان الذي لا يوجد به طعام أو ماء ، فهي لا تؤمن بإبراهيم ، ولكنها تؤمن برب إبراهيم وعندما تقرأ القرآن الكريم تجد القول الحق على لسان إبراهيم : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) ( سورة إبراهيم ) هكذا نعرف أنه ساعة إسكان إبراهيم لذريته كان هناك بيت وأن هذا البيت محرم ، وعندما نقرأ عن رفع البيت الحرام تجد أن إبراهيم عليه السّلام لم يرفع قواعد البيت بمفرده بل شاركه ابنه إسماعيل عليه السّلام . وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 ) ( سورة البقرة ) هكذا نعلم أن إسماعيل عليه السّلام كان قد نضج بصورة تسمح له أن يساعد والده خليل الرحمن في إقامة قواعد البيت الحرام ، وهذا يدلنا على أن إسماعيل نشأ طفلا في هذا المكان عندما أسكنه والده إبراهيم عند البيت المحرم ، هكذا نتيقن أن البيت المحرم كان موجودا من قبل إبراهيم عليه السّلام ، وعندما ندقق النظر في معنى كلمة « بكة » التي وردت في هذا القول الكريم : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً » فإننا نعرف أن هناك اسما لمكان البيت الحرام هو « بكة » وهناك اسم آخر هو مكة ، وبعض العلماء يقول : إن « الميم » و « الباء » يتعاونان ، ونلحظ ذلك